لا لم يكن مثاليًّا ! …

قصة قصير

وندي

كانت تحلّق بسرعة كبيرة .. تتنقل كسهم من أي موضع تلمح فيه عيدان قش او كمشة قطن أو أي نسيج ملائم لتتم بناء عشّ بيوضها القادمة بُعيد أيام خمسة عشر… اليوم تحديدا يكون القمر متربعا كبد الليل ، فاردا جنحه المضيء عن اليمين وآخر مظلما عن اليسار.. وهي هي ما تزال في سعيها بين الحقل والنافذة في الأعلى… تومض كقنديل يشح زيته…

كان القنديل لا يزال صامتا على المنضدة ، هناك قرب النافذة ، على مقربة من السرير الذي تغطيه شراشف بيضاء مطرزة بالورد الأزرق والأحمر… وفوق المنضدة الصغيرة تصطف كتب الشعر الثلاثة التي لم تقرأها وندي بعد… بل في الحقيقة بدأت بواحد منها هو الرابع… كانت تحمله معها لأي مكان تقصده علّ الوقت يسعفها فيه… كانت تركض بسرعة … تتنقل كسهم من عمل إلى عمل ..من غرفة إلى غرفة …تنهي ترتيب الأسرّة هنا .. تغسل أطباقا هناك … ثم تغوص في إعداد وجبة غداء جيدة بنشاط منهِك أجبرتها عليه ظروف العمل خارج المنزل .. فهي سرعان ما تلقي بمحفظتها في أيّ مكان يختاره هو أي المكان ليحتمل ثقلها! رغم احتوائها فقط على قارورة ماء صغيرة ، أقلام لوح ، قلم أزرق ، وآخر أحمر.. هناك الأسود والأخضر أحيانا … ودفتر صغير… لكنها أي المحفظة ترمي بهمّها الغريب فوق كتف المقعد ، طاولة الطعام.. ومرات السرير… بينما تكمل وندي دورتها اللامتناهية في أويقات اليوم المتبقية حتى تلفظ آخر أنفاس التعب عند السابعة وقد استعدّ القمر معها لاستقبال هذه الناحية من كوكبنا الصغير.

ها هو حوض غسل الأطباق قد خلا من الصّحون والقدور …وكان موعد الجلسة الحلوة إما على الشرفة أو على الطرف اليسار من السرير قرب النافذة الخضراء والمنضدة حيث الكتب التي تنتظر…

تحب وندي الإستماع إلى مقاطع اليوتيوب ، هي بمثابة خزان الماء الذي ترتوي منه كل لحظة لتعوض عن خسارة الوقت في الجهد والعمل ، حتى لا تتوقف ساعتها الخاصة ، ساعتها التي تسير بهدوء على إيقاعها هي ، لا على إيقاع الحياة في الخارج … خارج جسد وندي ،خارج عقلها وروحها الزمان مختلف.. الدقائق أسرع، هي لا تريد أن تلتفت اليها ، تصفعها كل يوم بنبرتها ، بحركاتها ، بتصرفاتها وردات فعلها كأنها تفرض نغمتها على كل الاشياء المتسارعة ، هكذا وندي شاطئ يتلقف الأمواج ، وتيرة نسيم سهلة!

ماذا عن المتعة ؟ الرقص.. الجنون… السيجارة… اللهو…كلما طرح السؤال ذاته عارضا عضلاته ، أجلت الإجابة… سينقضي كل شيء وندي…متى ستجيبين ؟ وتدفن بعد السؤال كل الإجابة في هاتفها… في كتابها.. في تأملاتها الدائمة…

تتخيل الإجابة فارسا يمتطي حلما أبيض ، يرمي السعادة منديلا شفافا فوق شعرها ، ينسدل بهدوء كاشفا الخصل الكستنائية ، ممجدا جمالها وكأنه أخاذ من سر مدفون في قفير نحل!

نظرت إلى كل شيء…لم تجده مثاليا…لكنها كانت راضية..وممتنة لهذا الشعور النبيل .. لهذا الرضى المقسوم كقمر هذه الليلة! نصفين….

بينما همت وندي بفتح كتاب الشعر تضاربت في رأسها رغبتين: القراءة او التأمل… مجرد الصمت… وقد حنّت للخيار الثاني مشفقة على نفسها من تحمل عبء آخر…دون ان تشعر…وحسم هديل اليمامة هذا التضارب ، فبينما كانت ترقبها وندي في روحتها وإيابها السريعين ، ونسجها العشوائي لذاك العش على حافة النافذة الخشبية الخضراء… ربضت تلك اليمامة ها هنا ترمق عشها الذي لم يكن مثاليًّا… لكن اليمامة كانت راضية… وممتنة لهذا العمل النبيل.. لهذا الفن الذي فطرت عليه!

حملقت وندي في تلك اليمامة وكأنها في إغفاءة رغم ان عينيها كانتا مفتحتين ، وقد التهمت تلك المشاهد ساعات اليوم الطويلة ، تلك الساعات التي كان يغتصبها الشقاء بلا رحمة ، وكان يرتدي على الدوام قناعا آخر…

وقت الاصيل ، شراب خمريّ يسكب في الروح الحنين ، وبالقرب من نافذتها الخضراء يعشوشب أملٌ دائم.. امل يستيقظ مع الفجر ولا يغفو مع المغيب… لا يهدأ … يتنقل كسهم… ليكمل العمر بناء عش ما.. لا ليس مثاليا لكنه مرضيا على الأقلّ..

تسرّب النعاس لجفن اليمامة وهي رابضة على حافة النافذة الخشبية الخضراء المصنوعة من خشب الكستناء ذات الشفرات التي تسمح للنور ان يتغلغل إلى الداخل ! وللهواء أن تشربه حنايا البيت الظامئ… كانت شفرات تلك النافذة الخشبية الخضراء تعتق الأسرار… تفلتر الأحزان كمروحة…

دفنت اليمامة رأسها في جسمها المكتنز بالريش الرمادي.. وحين تكون وندي وحيدة.. تدفن شغفها في صدرها تغطيه بكفيها…وأحيانا تطبقه عيناها ذات الأهداب المكتنزه الشقراء…

لم يكن الوقت قد آن للرقاد… قالت وندي مفكرة.. وقبيل إغفاءة اليمامة راحت تكرر في أديم الصمت هديلها المتقطع الموحي بالحزن…فيسكب في كأس المغيب المهيب خمر الهدأة الشافي !

تستسلم وندي الآن لشرود دافئ يغيّب الكلمات القليلة من الكتاب التي قرأتها بعينيها سريعا..تأملت ذاتها فإذا بها توحي للمدى بأبيات من الشعر…لكم يسهل عليها كتابته! ولكم تصعب قراءته..هو الفرق بين نعمة التفريغ ومغبة التحميل… تدفن في النثر الموسيقي الكثير من أشجانها ولا تريد ان تحمل أوزارا أخرى من المشاعر.. تنساب مع الروايات وأحداثها فتبتلع مئات الصفحات في أيام معدودات… لهذه الأسباب بدأت تفكر جديا بكتابة القصة بدلا من الشعر فليكن هذا الاخير محطة عابرة… مقتضب وشرير لكي يقتحم القلب بالقوة دونما مقاومة !

لم تكتب الشعر بشكل مثالي لا… لكنها كانت راضية نوعا ما أنها استطاعت ان تشق لها طريقا… ان تغزل امسيات خاصة أثوابا جدد… أن تلعب نرد الحجارة المرصوصة على دروب وعرة…ان تكشف عن سحر عبق النرجس المضطرب وسر الحبق المخملي وشذاه.. ان تصرخ في اذن الجداول الصماء التي لا تدرك ان خريرها أطنب حواس النهارات الربيعية النرجسية…

ما إن انتصف الضوء وأطل القمر بجبهته المقسومة ، وامتزج انين اليمامة بتلك السكينة حتى غرقت وندي في حضن الوسادة ذات الريش الرمادي… وتطايرت خصلات شعرها الكستنائي .. مع نسيم أيار الذي راح يبعث بآخر نسماته بسخاء! كمودع يرسم صورته الأخيرة.. لم تكن مثالية… لكنها كانت مرضية تماما..

آدم

أنا مثالي تماما في لامثاليتي!

أعرف كيف أدوّرُ الوقت على مزاجي ، أتحكم بزمام الساعة لكي نبقى على قيد الأمل المتواضع… لكي نحيا بقليل من الخبز واللحم والأرز الأبيض الذي أحبه بجنون ، أحب ان يرافق أي طبق كان … أتذكر أنني كنت أطبخه بمهارة لي ولرفاق غرفتي في بيلاروسيا ، حين سافرت لأعمل هناك ولم أمكث سوى ٢٣ يوما بالتمام.. حين نجوع مساء كنت أعده على أفضل ما يكون ، لكنني لم أطبخ الأرز بحضور وندي ، ليس لأنها تمانع لا.. بتاتا ، لا أعرف السبب ، مرتين فقط أعددته قبيل عودتها هي وابننا آلان من المدرسة ، كانت الساعة تجاوزت الثالثة ظهرا ، وكنت تضورت جوعا ، على كل حال أنا أقوم بأعمال عديدة هنا في المنزل ، لا بد من ذلك ، أحب ذلك ، لكن إعداد الأرز ليس من ضمن مهماتي ، أحب طعمه ورائحته من يدي وندي.. وندي فقط.
في بيلاروسيا ، كنت بلا هوية ، لقيط المكان والزمان ، انا لا انتمي للبرد ، ولا للفراء ، ولا لاشتهاء الفتيات لكل عابر طريق ، تشعر هناك أنك أمام علب هدايا مفتوحة ، هذا امر يشعرك بالذعر ،لقد اعتدت ان تنتظر الهدايا ، ثم تفتحها بنفسك ، ليلة العيد ، ليلة اي شيء… النسوة مع رجالهن والأطفال يستحمون في الحديقة.. أية لعنة ! لقد شرب نظري عن مائة عام ، اكتفيت تماما… لا أرغب بضم إحداهن ، لا ليست هذه هي الطريقة التي أحب ، التي اعتدت، رباه أين المسافات ؟ اين اللغة ؟ هل أنا أخرق ؟ انا مولع بالجميلات، لستُ أبلها أو فاقدا الشهوة… أين ذهبت حاستي تلك ؟ اولاد عمومتي يشعرون انهم في الجنة هنا… كل مساء يعودون برفقة إحداهن من الشقراوات الحسان… انا صراحة أكتفي بالنظر ، لا أحب التهام الأشياء هكذا دفعة واحدة…أحتفظ بتلك المتعة لوقت آخر ، لم يحن بعد.

تذوقت القليل من الشامبانيا ، للمرة الأولى في حياتي ، البيرا ايضا ، أرأيتم كيف اتذوق الاشياء رويدا رويدا… ليس مثاليا ان لا نجرب بعض المحرمات ، لكي يعتادنا المكان ولا تلفظنا امواجه ، لا بأس من ملامسته من الأطراف..وقد حسمت مطاردتي صراع البقاء المحتدم في كياني ، لم أتقألم.. ببساطة ، لا الشراب خدر خوفي ، ولا اغرتني الفتيات او الطعام الرائع ، ولا حتى الأموال… كان الراتب مرتبا جدا… كانت مطاردة خطرة بكل معنى الكلمة ، لقد راوا ساعتي الذهبية ، مجموعة من قطاع الطرق ، عصابة من الروس ، مجرمون حقيقيون ، كنت على بعد شبرين من الموت لولا سوري لمحني ، سرعان ما راح يكلمهم بالروسية ، أخبرهم ان ساعتي ليست من الذهب وانه صديقي ، وبعد ٢٤ ساعة كنت في لبنان ، كالمجنون عدت…

عدت كمهاجر ترك كوخه الصغير المحاط بالأشجار ، برتقال وليمون ، مسكبة نعناع وبقدونس ، بضع دجاجات ومقعد ، لم يكن بيتي كوخا ولم تك لدينا دجاجات ، لكن المقعد هناك يفتقدني ، كان يخبئ لي زاوية رؤية خاصة لوندي ، في حبكة اللانهايات ، في دائرة الدوائر ، إحدى تلك السباعيات اللامرئية … خارج حواس الفكر…انا بسيط لا أعقد الأمور ولا أستسيغ المصطلحات ، لكن سكناي ووندي أكسبني من رفاهية كلامها الكثير ، التفكير الذي لا يُنطق يُرى في كل شيء…كانت وندي تلك اليمامة الوادعة التي تخفي شغبا كبيرا ، إلى حد لا يصدق ! حتى أنا .. أنا من ظننت أنني أعرفها أكثر من تلك التي أنجبتها ولم ترضعها … صدمت..صعقت…ما زلت مخدرا للآن بقسوة قراراتها التي تنفذها قبل أن تبرم ! هكذا هي وندي…هكذا أنا … بسيط… أحب منطقة الأمان ولا أريد أن أبرحها… هي .. وندي تخطو قفزات وتمسك الهواء بأطراف أصابعها بينما أعد نجوم المساء بروية..أنا.. كيما أتأكد أن السماء واهلها على ما يرام….

كيف أعجبتها؟؟ ما زلت أتساءل.. ولكم يغريني ضياع الإجابة… هذا اللغز يربطني بها بعنصر التشويق الذي يجعل لحياتي الرتيبة المعنى الوحيد….مهلا ….آدم…..مهلا…انت انسحبت من كل المعارك تقريبا… تركت المدرسة حين عجزت المدارس وفشل المعلمون وحين أضرمت الحروب نيرانها على أرض لبنان… لكنك أيضا تركت الكتب… كأنك كنت تنتهز الفرصة الأولى لتقطع أية علاقة مع هذا الفكر الكامن فيك بصمت…تركت كل عمل أرخى بثقله فوق كتفي…بعدما تركته يأكل مني من كليتي.. ولم أطوعه ليصير عبدي… بل على العكس بقيت أنا عبده حتى آخر عمل لي… لم أتركه ولا أنوي… لأنه يتحكم فيّ بشراسة… لانه يؤكد مظلوميتي ويكرس كل احتمالات راحتي..

كيف استطعت يا وندي أن تفعلي هذا بي بعد كل هذا الحب العادي… بعد ذلك الحب الذي لم يكن مثاليًّا… لكنه كان مرضيا على الأقلّ…بل مجنونا في محطات غير عادية… سواء فبركتها أنتِ… أضأت شمعاتها بفمك..تركت شفتاك تحترقان بي فأوقدتِ روحي التي لم تكتمل إلا بك…كيف استطعت أن تفعلي هذا بي ؟رغم أني بداخلي اعلم السبب ، وهذا ما يمنعني من مواجهتك… لكنني كما ترين أكتب لك ما كان يجول في بالي منذ أعوام… رأيتك تفعلين ما تفعلين بكل وضوح… لكني كنت قانعا راضيا بكل ذلك… رغما عني… رغما عن أنفي.

جنين

أطفأ الليل نجماته في تلك السهرة… فقنديل جنين كان وحده كفيلا لجعل المساء اجمل… منيرا جدا…
كل مساء تعبث جنين بساعاته القصيرة تحبكها بمغزل التعب…
هي اعتادت هذا التعب منذ الطفولة… تلك السباعية الشقية التي رفضت المكوث في رحم والدتها اكثر من اللازم .. وحين حاول الغدير أن يسحبها في الحقل… ذات ظهيرة… تمسكت روحها بهذه الحياة… الحياة التي حفرت شقاءها في ذاكرة جنين منذ زمن…
قالت لي ذات مساء وبينما كانت تحبك كنزة لاختي سارة : انا لا أحبها ، فهي لم تحبني يوما… حرمتني المدرسة…كانت ترمقني بنظرات قاسية ملؤها الكره.. لماذا..لماذا ؟ لا أدري ولا أسامحها.
لقد حملت الكثير …
أشعر أنني أوتاد حقيرة لكن متينة..وفوقها تعمّر الكون…
أشعر أنني جبل تم حفره حتى الأعماق…ومع ذلك بقيت جوانبه قائمة تسد الريح العاتية…
أشعر بنبض فيّ نحوكم وندي.. نعم نحوكم…لكنني عاجزة عن القبض عليه بأوردة قلبي…هذا القلب الذي تُرك وحيدا جدا….
حين أحببتُ والدكِ يا وندي اعتقدت أن الحياة ستبتسم لي…لا أدري كيف أحببته…لكنه ساعدني على ذلك…كانت نظراته لي شافية…هو من لفت انتباهي لوجود قلب في داخلي…
لكن جدك وجدتك رفضا هذا الحب… ظنا منهما أني سأعيش تعيسة مع والدته القاسية…كأن القسوة كانت طبعا سائدا في زمننا… شرا لا بد من وجوده… سما دفينا موروثا حتى العمق!
ويا لتعاسة خياري هذا…ويا لنكبة إصراري…فمنذ وطأت داره…دار والدك ، بعد وساطات مع جدك الذي رضخ لالحاحي ، بدأت ليال سوداء لم أذق معها طعما للسعادة…
هنا قررت أن أتركه…لا تتصورين كم كانت عودتي إلى بيت والدي صعبة…كنت بين جهنمين أتنشق رائحة حريقي فحسب… كنت أصهر وأصهر ألف مرة ، كمن يحترق ويبدل جلده بأمر من حراس النار…. هنا صرخت من اعماقي…لماذا ولدنا؟ لماذا ؟

لم تكن تلك أما…لاما حضنتني وما أرادت ان تسمعني ..لم تكلمني..لم تسألني ما بك…لا بل سألتني ألف سؤال بعينين ملؤهما القسوة بلا أي حرف…تقول فيها عودي أيتها الساقطة لبيت زوجك فأنت من اخترته…لا مكان لك هنا في هذا البيت…هناك اخوة سبعة يحتاجون إلى رعاية… حضورك ثقل على قلبي وفوق جسدي ظلك يربض كجزيرة منفية…اغرقي بهذا الماء حولك..لقد لفظتك كما تلفظ الأمواج أسماكها النافقة..لا أحتاج نافقات في داري.أمام عذاباتي كان أبي يقف مدافعا ضعيفا بلا قوة غير الحنان الذي يفيض من عينيه الزرقاوين..كان سمائي..لكنها كانت بعيدة تلك السماء عن أرضي..لم تهطل علي بالأمان…ورغم ذلك …ما زلت لليوم أتوسد زرقتها ورقتها..تلك السماء الشفافة..خيمتي ومنفاي.

عدت لبيت جدتك بعد سنة واحدة من زواجي ،وأي زواج! كنت مجرد خادمة بالنسبة لهم..بينما كنت في داخلي ملكة هاربة من زمن آخر سقطت سهوا على أرض محروقة بعد حرب ضروس… وحين سقطت من كوكبها اذاك قبض عليها آخر الغزاة واقتادها إلى حظيرة ذات سور من حجارة..لم يكن خشبيا كعادة أسوار الحظائر..هي حظيرة تدعي انها منزلا دافئا…وكانت هذه السجينة ، تغسل الأثواب ، تدعكها بيديها الصغيرتين بينما هي ترتدي ثوبا كريميا جميلا ، وتثبت خصلتين من شعرها الأشقر الكستنائي بدبوسين صغيرين…لم تعد تشعر أنها جميلة كما تقول المرآة… بعد كل غسلة تغسلها لأثواب قذرة ملطخة بوحول الحقل…بعد كل غسلة لجبل من الأطباق والقدور البالغة القذارة ، حيث تلتصق في قعرها حبات أرز محروقة…واخرى طبقات وطبقات من الشحوم الحمراء بلون الصدأ…تماما كذلك الصدأ الذي راح يلتصق في قعر روحها وجسدها وأفكارها.

مرت أيام ها هنا في منزل أبي أيام ثقال… كل دقيقة لها وزن كنت أفقد معها بقايا أمل وشذرات سعادة… سعادة متخيلة فحسب… لكن قوة غريبة عظيمة كانت تدفعني قدما… تدفعني كأنها وقود لا ينبض وكأني القنديل الذي ولد لكي يضيء للأبد.بدأت أشعر بالغثيان ، لم يكن الاحتمال واردا بالنسبة لي لأسباب كثيرة تخص علاقتنا انا ووالدك… ولكن الاحتمال اللاوارد فرض نفسه ووجدتني حاملا بك وندي… لكِ أن تتصوري بقية ما حصل آنذاك… لا لم أعد…قاومت كثيرا ،تحملت عيني أمي… لكن لم أشأ العودة…حتى والدك لم يعد في نظري كما كان.. ذلك الحب حلت محله صور ومشاهد قاسية عشتها عاما … عام بألف عام …-ألم يكن والدي مختلفا عنهم…-انسي يا وندي… انسي الأمر…بعد ولادتك ، مباشرة ،وصل الأمر إلى الذورة صارت أمي أشد قسوة… ووالدي أكثر حنانا… في غيابه أعاني المرّ …وتوسط أقرباء بيننا أنا ووالدك… وحين جاء…وافقت.. عدت…لأجلنا انا وانت…. واستمرت الحياة… وجاءت سارة بعدك… تعرفين بقية الحكاية.

الموت

الموت …اول الصدمات وآخرها… نافذة خوفي ، رهابي، وكل معتقداتي القادمة…ارى الجنازات أمامي ، كانت في طفولتي أقل عددا ، ربما جثتان شهريا تسجيان إلى التراب… وبعد مدة تضاعف العدد… لم يكن مهما امر العدد… سؤال واحد عميق… إلى أين يذهبون ؟ وماذا بعد ؟ أسئلة الجميع… وكان الدين كفيلا بإيجاد الإجابات المهدأة لروعنا كلنا ، مع تشويق بطعم الرعب ، ففي داخل الحفرة سيأتي ملكان شريران يطرحان الأسئلة ، وأنت تجيب ،يسقيانك ماء عذبا إن استطعت النطق ، اما إذا نسيت الدرس بسبب الخوف فستجرع نارا… تماما كما تجرعت العصا بعمر التاسعة في حصة الجغرافيا لأن المديرة شخصيا قررت وقتها تسميع الدرس ، وانا بطبيعتي المرهفة نسيت الكلمات والمفاهيم كلها حالما تسرب عطرها إلى دماغي ، دخلت الصف تماما كأحد الملكين ، ربما كانت كلاهما معا… وانا صرت مكفنة بكل انواع القمع الذي عجن مع براءتي… وحيائي… لم أصرخ في وجهها : أيها الملك اللعين… أيها القبيح… نسيت الدرس… فلتحل عليك اللعنات وعلى جميع الكتب التي سطرها قادة الرعب المقدس.

بعمر التاسعة أحببت الله الجميل ،الذي الجأ اليه كأبي ، كصوت أعلى من صوتي وفضاء أشد رحابة… كاني السحابة والصلاة مطري.لم آبه بهاتيك المخاوف… ولا بأفلام رعب تجار التاريخ والسياسة… نفذت بجلدي منهم كما ينفذ الغزال في ساح الضباع… لكن الهواء الفاسد لا بد ان يلوث أنفك على الأقل إن لم يصل الرئتين.عندما تسمع لآلاف المرات أن قدميك ستحرقان بالنار إن لم تغطيهما تماما بالقماش ، وكذلك شعرك … ستحاول أن تحترس وإن قاومت تلك الأفكار لسطحيتها بنظرك… ستواجه جدالا مع داخلك… مع تلك الآية ( الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر ..) ليس مزاحا.. هو كتاب مقدس وانت تواجه ما تظنه آيات لا جدال فيها ، اي كشف شعرك..قدميك…التزين…تتعب…إلى ان يأتي المنقذ…هو الذي يدلك على ذاتك انت …يخبرك انك اقوى واقدر مما أخبروك… وانك صديق الله ،تستطيع ان تجادله وقد تصلان إلى تسوية !

اذكر أنني بعمر السابعة عشر قصدت شيخا لأسأله ما سبب إفطار المسافر رغم ان السفر غير شاق… عدت للمنزل بلا إجابة… ومن حينها وقبلها بمدة بدأت قشورهم تتساقط ، بدأت غباراتهم العالقة بفكري بالزوال ، كنت اغسلها بالتفكر… بالموسيقى وبعض الكتب الجميلة… كان اغتسالا طويلا… فالوحل لا يتركك تنفد بسهولة!

لماذا كل هذا الحزن؟ألف عام واربعمائة وما زلنا نبكي ونرتدي السواد ، لم لا نحتفي بتلك الكرامات… لم لا نرقص ونضحك..لم لا نتقن الفرح ؟لان من علم بعضنا ان يقطع الراس علم آخرين ان ثمن الجنة بحرا من دموع…ها هنا يفيض نهران… نهر دماء… نهر دموع وشقاء… وتقف الدنيا عاجزة امامنا…. تقهقه بسخرية… لقد اوجدتكم لتعيشوا… دعوا الموت يأتي بهدوء…لتعودوا بهدوء.

حين سمعت قصة الشابة المتوفاة ، لم أعد كما كنت…في منزل صديقتي سمعت أشياء غريبة ، المخيف أنني لا أذكرها ، المرعب ان آثارها ولدت في حزنا عميقا…عميقا…صرت ابحث عن السعادة فإذا بها تهرب مني كلما طاردتها.. حبست نفسي في قفصها ،وتركت الشجر والطيور…

لا اندم على شيء في حياتي ، فقد كانت كل العذابات التي عشتها في داخلي جسرا خفيا لما هو آت.لقد اختبرت كل الاوهام، ثم كسرتها ، كما يكسر ضوء القمر صفحة العتم…جميلة تلك الظروف التي تشذبك ، تقلع منك الاعشاب الضارة ، تعود شجرا غضا…لم اعد سوى تلك اليمامة التي تربض بسرور على حافة نافذتي بلا هم….تسبيحها جميل… ترتيلها أخاذ… كما تسبيحي.. نظر.. همس.. نفَس.. إغفاءة…إيماءة… فكرة..نية..حب… مجرد حب… بلا خوف…

كرمة العنب

فراشة تبدو وندي في ذلك الثوب الزهري ليس زهريا خفيفا بل فاقع الزهرة ، طياته كثيرة ، عندما تتحرك تبدو كزهرة مع جسمها الرشيق المكتنز عافية…كنت أفخر بها ، بهدوئها ، باتزانها منذ الصغر… تذهلني رقتها ، اعجب ان تكون لي ابنة مثلها… كما اعجب بسارة وذكائها وبقية بناتي… لكل واحدة منهن زاوية خاصة في جسدي وفكري… رغم اني لا اتقن التعبير عن ذلك لهن بتاتا… لكن ما احمله في قلبي اكبر مما يظنن بكثير…حين كانت وندي تزهو بجمالها الزهري في ظل عريشة العنب ، لم احتمل نظرات صديقي ، ناديتها ، طلبت منها ان تصعد لفوق… للمنزل… تعجبت من ردة فعلها المتفهمة ، اذ ادركت مقصدي وبدلت ثوبها برضى… كانت لا تحب إثارة أي كان ، رغم صغر سنها كانت شديدة الوعي والذكاء…هي من أعادتني إلى جنين…لم آبه في البداية أنها تركتني ورحلت.. كنت أستحق ذلك… الألم الذي أعيشه يوميا مع والدي ّ جعلا مني رجلا قاسيا وصامتا… كنت افرغ مآسيّ بقبضة يدي… أنهال ضربا على جنين.. كلما أحسست بقوتها ومقاومتها لظلمي… لظلم أمي.. كانت صفعاتي لها تخرج الوحش الكامن فيّ… تمنيت لو لم تعد.. لترتاح مني…من امي…من تلك الحظيرة باسم بيت العائلة… احببتها كثيرا رغم عنادها الشديد… لذا تمنيت لو يحميها القدر مني ، لكن والدتها كانت قدرها القاسي ، أعادها لي… تغيرت… ولكن بعد وقت طويل….سارة تشبهني قليلا… وندي تشبه والدتها أكثر… أليف بين – بين…. أليس لها طباع وشكل خاص…اما سامي فهو تلك النسخة المكررة عني مع بعض التحديثات…

في ظل عريشة بيت اهلي كانت العناقيد تجمعنا بحباتها النضرة الخضراء بعد اعوام من الظلمات… خرجنا منها أشخاصا آخرين… لقد اختزلنا مرحلة انسان الكهف ، فالمزارع ، فالمتحضر… تحت تلك العناقيد تناولت أمي العجوز اعواد مثلجات تنتمي لقرن آخر… بعدما كانت لا تعرف سوى الحقل… والرضاعة.. وتولي زمام الأمور… كانت رجلا في جسد امرأة… شديدة الجبروت ، تامر وتنهي كأنها هاربة من جيش عثماني لا يخاف ولا يرحم…. آه…كم مرت علي من امسيات تبدل فيها جلدي فإذا بي بعد كل أمسية أتدحرج… وأكبر… أجمع في مخيلتي صورا جديدة ، هرعت إلى الحقل صديقي ، أبثه قهري ،فلاحة وعملا… لكن بلا أم تمعن في ضربي إذا خالفت الأوامر… كانت تضربني بقسوة أما أخي نديم ،فكان مدللها ،كان بارعا في اصطياد الفرص كما قلبها…لا تسند اليه الاعمال الصعبة التي بقيت من نصيبي ،حتى تزوجت ونجحت جنين بفصلي عنها… كان ابي ذا شخصية لكنه امام امي كان يبدو ديكا منزوع الحنجرة… لا اقول تبا للنساء… بل تبا للرجال الذين يتخلون عن ذلك المقعد المخصص لهم ، كانهم يفضلون اخذ قيلولة بلا نهاية… وبين الحين والآخر ينفسون رجولتهم بزمجرة وضرب وعبوس…

بيني وبين آدم ألف طريق

اليوم حين رأيت اليمامة تستعد للرحيل بعد أن فقست بيوضها ورحل الصغار ليشق كل منهم طريقه الجديدة ، أدركت أننا كتلك الشرايين الممتدة على محيط جسدنا العظيم الصنع…. طرقات…مجرد طرقات لامرئية تتصل بآخر نقطة من هذا الكون بلا بداية معروفة… وأدركت أننا في النهاية سننفصل عن كل ما اخترنا وكل من عرفنا لنصب في الطريق الرئيسي الأوحد..نحن ..ونحن فقط…
أدركت أن حبنا لكل من حولنا هو تمويه ذكي لحب واحد فقط..ذاتنا..
انا كوندي أعتبرها مقدسة…
قبل آدم مر في دربي ألف آدم وتساءلت كثيرا… من يريد قلبي؟
لكنه هذا القلب كان يافعا جدا ، لم يهتد لمحبوب غير هذا اللامحدود… كان قلبي لاأرضيا… رغم أن جسدي بات يهفو للدفء والحنين.. الا أنه هذا القلب كان دائم التحليق كيمامتي تلك… وصغارها…

ألم تكتمل صداقتنا للأبد…

في تلك الأمسية ، حين عدنا من طريق المشي أنا وجاد وأختي سارة ، كان القمر بدرا جميلا ، يوحي بالكثير من الأسرار المكتملة الغموض ، الأسرار لا ينبغي أن تُفضح ، لأنها تستهلك كل روعتها وتتبخر!
كنت منذ طفولتي أعتبر جاد ابن خالي ، صديقا…أخا.. أغضب من حرصه الشديد عليّ ،وأحيانا كثيرة يروقني حين نتبادل الكلام ، نشعر كلانا أن الوقت يسير بشكل أسهل…
في تلك الأمسية فضح جاد سر قلبه لي… ولم يدرك أن المكنونات لا يجب أن تخرج من مخائبها بهذا اليسر! دعكم من الواقع.. الخيال مفتاح الحياة ، لا يتفلسفنّ أحدكم ويقول كوني واقعية هيا… خذي الأمور ببساطتها… منذ متى كانت الأمور بسيطة؟ كل شيء معقد متشابك… نحن في الداخل خلية من أعصاب ،تخترقها آلاف السيول الجارفة وتهب عليها ألف عاصفة في اليوم… من يستطيع منا أن يفكك تلك الشيفرات المعقدة؟ لا أحد… أجزم.
ليأتي جاد ويقول لي أنا أحبك يا وندي ،هكذا… دون أن يكون حاذقا ويتوقع ردة الفعل… فهو يستحق إجابتي القاسية… أنا لا أستحق منه هذا العبء المضاف ، لا أدرك للآن كيف كسر صداقتنا بهذه الطريقة وانتقم أشد انتقام على جريمة بحقه هو من ارتكبها…

لعبة الشدة

مشروع جيد لحب أول لم يولد ، كتب عليه الموت منذ اللحظة الاولى.
لمحت أمي نادر ،صديق أخي داني وهو يتأملني عندما كنت أقدم أكواب الشاي للجميع… كانت الغرفة مكتظة ، أنا ،أخوتي، أمي،أبي… ونادر… وبعض الأصدقاء الآخرين ،كان نادر أكثرهم ترددا لمنزلنا يوميا تقريبا ، وكانت السهرات التموزية تحتفي ككل عام بتوديعنا للمدرسة ، كنت حينها في الصف التاسع ،أي أنني صرت ناضجة ، لا بد أن تستعد الفتاة في مثل هذا العمر لاختبارات الحب والارتباط والخطوبة ، الا أن هذه الشرائع السائدة كانت على إغرائها مستعجلة جدا في القدوم إلى جسد غير جاهز وفكر غير حاضر بتاتا…اربعة عشر عاما ،أي لدي في رصيدي أربع سنوات فحسب وتصدر نتائج الفحوصات المخبرية الاجتماعيه: قابلة للحب… فاشلة…
هذه التحديات الشائكة المغروسة في أعماقي حرمتني متعة عيش اللحظة… ببساطتها.
نظر إليّ نادر ، علق عينيه فوق هالتي الشفافة ، أحسست بثقلهما ، بخدر وخفر… عشت الشعور لدقائق لم تحسب من عمر الزمان ،وبعد زمن ، تناول كوب الشاي ، أخيرا … رشف منه رشفة .. سحرني بتعويذة ما… جسلت قريبا منه وعلى مرأى من أمي التي كانت تلحظ المشهد ولم ألحظها حينها… في اليوم التالي ،سمعت وشوشاتها مع أبي ،وأخي داني ( أخبره أن لا يعود إلى هنا.. )
لم اشعر بحزن كبير ولا تعاسة.. كنت ما بين البين ،كالمنضدة، والكرسي الهزاز ، كتلك الشمعة التي تضاء اذا ما انقطعت الكهرباء… كسجادة الصالون الخمرية… كلوحة الأم الحزينة التي تختصر عمرا من البكاء غير المبرر.
أسرعت إلى غرفتي ، فتحت ورقة مهترئة لشدة ما عليها من أرقام نتائج لعبة الشدة ،وما بينها كلمات لأغنية قديمة تنضح بالحب ،حاول نادر اخفاءها كما يخفي اللصوص الذهب بين حبات الأرز البيضاء ، دفنها في عمق البياض ، وطاف السواد على السطح ليخفي كل المشهد… المشهد الذي كان يحاول أن يتنفس الحياة بصعوبة ، ان يستحضر الحب ، ان يفسر معناه، ان يكشف هذا اللغز الذي يربحك الجائزة.

عروج جميل

جميلة هي الحياة ، حين نشعر بلطافة كل شيء ،لن يستطيع الخوف أن يلمس قلب المتأمل في كل شيء… بعكس سارة كنت أواضب على صلواتي، ومنذ البداية دون أن تكون ثمنا لشيء منتظر ولا خوفا من عقاب… كنت أحب هذه الخلوة ، أحس أنها تفريغ لحواسي المثقلة بالأفكار والمشاهد ، حتى عندما بالغت في عكوفي هذا بعمر أكثر تقدما ، ربما عند السادسة عشر وحتى السابعة عشر من سنيّ لم يكن الأمر خوفا ولا تعصبا على الاطلاق ، بل كان صورة ومرآة تعكس بلوغ صراعاتي النفسية والفكرية أوجها… كنت أنضج بشكل مضطرد، أهضم الحوادث من حولي ، أتنشق فضاءاتي وأزفر منها ما لا يلزمني ، وكلما مرت سنة ، تبدلت الزفرات ، وتغيرت طبيعة النّفَس الذي أحتاجه… تبدلت آرائي وتوجهاتي بشكل كثيف ، كنت أظن الأمر معه ضربا من الجنون أو عدم التوازن ، لاحقا جدا أدركت أن هذا من سمات الوعي والتطور. هذا حسن..أنا راضية إذا عن كل ما حدث لي في الداخل ،لا ضير من التغيير.

لعبة التصفيات النهائية

تقدمت عامين آخرين ، اشتريت مجموعة كتب ، لتكون صديقتي ، حاولت ممارسة لعبة الحب عن بعد… إنها الطريقة الأسهل لكسب الجولات ولو من طرفي…
عندما غضب مني جاد ابن خالي لاني قلت له : انا اشعر انك أخي… هيا انسى هذه المزحة ، كنت أخوض تلك اللعبة الافتراضية ، وودت ان اجرب لو كان قلبي صالحا للاستخدام ، وثبتت صلاحيته ، ممتاز … لا يهم من يرحل… من يأتي… المهم ان النبض شغال ، وساعتي غير معطلة.
بينما كنت أخرج من تلك التجربة التي عشتها بعد رحيل نادر من لبنان ، رحيلا نهائيا وقاطعا ،لثلاث سنوات متتالية، لم يكن الخروج بتلك السهولة التي تخيلتها ،لقد عشت تعلقا موجعا ،ربطت حياتي ولحظاتي ودقائق انتظاري بشخص لا أبوح له بشيء ، ولا ينتبه لي من الأساس ،كان هدفي ملء وقتي ، وتجربة حواسي… هو أحمد…
كل من كانو يتوددون لي… يلاحقون ظلي… نسيت أسماءهم ، بقي اسم واحد يتردد في وحدتي ، نادر ضوء خافت ثم أحمد.. أحمد قنديلٌ قويّ أضاء عتمتي لسنوات ثلاث ،أعمى إرادتي عن أي كائن آخر.
حين عدت من فقدانه هو أيضا ، كسروة ضربتها الرياح بقوة ، تشعر بدوار السفر من ريح بحر فاض فجأة… كان آدم.

حريق في البرية

كنت مستغرقة مازلت بروح أحمد ، أناجيه كلما اختلى المساء بقمره ونجومه ، كأني العابد وهو المعبود ، أرتشف منه رحيق الحياة ، وأشفى به من كل مرض ينتابني حين يأتي الحزن على غفلة… وبينما أنا في هذا الوادي ، أمر بين جبلين والطريق تبتلع سيارة أبي ، رأيت آدم ،جارنا… كان يقصد هذا الوعر الذي يحترق بفعل الحرارة ، تجمهر كل أهالي البلدة ليشاهدوا لهيب النار التي صارت تلتهم الاشجار ، كأنها في مشهد هرب من قارة أخرى حيث البراكين تعيث في الأرض فسادا… لم يكن في السيارة سواي ، أبي وأمي… هرعت معهما لأشهد ما حصل… بينما بقي الجميع في البيت آنذاك….

وعلى الطريق التي تفصل ما بين المنازل المتجاورة في عام آخر… كنت فيه أغرف من صمت أحمد قاموس كلمات جديدة ،ومشاعر لم أختبرها من قبل ، وحيلا كثيرة لاستراق اللحظات… لحظات اللقاء من جانب واحد ، جانبي طبعا… كانت ملامحي هادئة… كان أحمد معتصما بحبل ذاته ، لا يبرحها الا لأماكن مجهولة لا اعرفها… كنت أفترض اهتمامه بي وملاحظته لي .. اما هو فلا ادري …كنت اتمنى ان يبقى الامر سحريا هكذا وخياليا مناسبا لطقوسي… ملائما لطبيعتي الساكتة.
كنت أشق الطريق مع اخواتي ، مبتهجة باللون الأزرق الذي يريحني ارتداؤه.
رأيت آدم … كان يرمقني بتمعن … ،هالني الأمر ، شعرت بانزعاج .. بنشوة انتصار… بين رغبته بي .. ورفضي…
أنهينا مشوارنا، بضحكات مكتومة…

وعلى الطريق الطويلة المتعرجة كأفعى، حين عدت أدراجي من مأتم آخر أوهامي وربما أولها… هاتفتني أخت أحمد ( هل تقبلين أن يحدثك ولو لنصف ساعة…؟)
انا حقا أجهل حقيقة تلك البرتوكالات والعادات والتقاليد… لكنها بمفهوم الفتاة.. بمفهوم وندي… ليست سوى عجزا عن المواجهة…
كان احمد مثلي يبحث عن حب.. ويخوض تجربة…لكنه هو من رأى وانا من أغمضت عيني … آدم… لقد تعبت..

إنها مرحلة التصفيات النهائية ، بلغت العمر المناسب للمشاركة في اللعبة… التاسعة عشر ، الرقم الفاصل بين العزوبة والعنوسة… لن يشفع لك وجهك الجميل ولا قلبك طفلة ، او حتى الف كتاب ومئة الف كلمة ساذجة… ومليار حكمة عن اعتبارك فتاة…مجرد فتاة لم تجد رفيق حياتها بعد.

اللاشيء
انا لاشيء….هكذا ترينني أيتها الفاتنة …بلباس بيتي أصفر…يميل إلى شعاع قنديل في أول انبعاثه…نقي…شفاف…يظهر الحزن المتخفي بداخلك خلف اجتراح الابتسامات الهادئة….هذا الإهمال الذي أبديته لي منذ أول لقاء…وندي…كان ليشي بما ينتظرني…ولو لم يكن موعدا مبرما…ولو لم تكوني على علم بقدومي…لكنه كان أمرا متوقعا…وأنتِ حضّرتِ للمتوقع اللاشيء عينه الذي رأيته في حضرتكِ…
لقد زرتُ معبدك وهو خاوٍ بعد ان مضى منه الماضون وخلفوا في حنايا الجدران رسوم الأثر العميق…وطقوس الحب الذي لم يعد…جئتُ لأؤدي صلوات عشق ما مفترض…فوجدت الإلهام وحده مضاءً كمتوحد في غار بعيد…ينوي أن يتنسك…حاولت الإمساك بكِ؟ لا…كنت الخيط الأقوى منذ البداية…خيط الليل الجارف…وانا فصل النهار…تعلمت منك اشياء كثيرة… اعظمها القهر…وأنبلها الانتظار…
لم أكن تلك الخميرة التي تشبهك كيما تمضي في العلن سبيكة حلم طازج…أبقيت على قلبك عذريا وحشيا لا منغمسا في أحابيل العشق…
ومرت سنون وأيام ودقائق بعدّها العكسيّ بيننا كأننا اصطلاح شرقيّ قديم…
حاولتِ الحب أكثر مني… ولم احاول لأني أنبض بك ولا يبان عليّ وهذه مأساتي…
هذا الخوف…هذا الخوف الذي تجسد عاريا في صدري للعيان..عاريا…كان يحفر في صدرك غلّي واحتقاري…
وندي…هذا الخوف منبّت في أصلي كفرع أصيل…لا أقوى على قطع أصلي…كوني أنتِ تلك الفروع التي أخالها في العراء يمّي وواحتي…انا عطش وانت ماء كل الكون…وهذا ما جعلني أحتمل كل محاولاتك المكشوفة لحبي…راقني أن تتعلقي بحبالي الواهية… ولم يزعجني اني غير محبوك جدا بخيوط أفكارك…يكفيني أنك بشباكي قد سقطتِ عمدا…لأن الطقس في بيتك بارد جدا…خلتِني معطف بردك..اولم أكن؟
حقدك على جفاف مخيلتي من إبداع الفرح يثكلني…ولا أعترف لك عمدا…كي لا أموت مرتين…
لقد مت بك حين لمست يدي دون احتكاك لمّا قدمت لي خبز الأمل بأن أحظى بك…وانا رضيت بهذا الموت فلا تعجلي عليّ بموتي الجديد الذي لا أرغب…موت رحيلي عن وجدانك…وهجرتك الموسمية…

لا أدري لم هذا التشابه في الحوادث والأسماء بيني وبين آدم تفاحة وأنت وأرض سقطت عليها ولا أريد العودة!
في رحلتك معي الممتدة لسنوات لم أعطك ولو وردة…
أتعرفين لمَ ؟؟
لأني كنت أنتشي بمرآك وانت تقطفينها وحدك…حتى دمعك كنت أحبه…حتى جليدك الساكن تحت الجمر البادي…
لا داعي لأن تحبيني…يكفي أني أحبك..يكفي أن أحبسك في هذا البرج الخاوي… يكفي أن أرى صبرك نحوي…على هذا النحو….وانت بين صفا فراغي ومروى خضوعي حائرة…
ولكن ما لم أحسبه يوما… أن ينمو جنحك خارج عشي الصغير…ولا أحسبه سيطير ولو نما…فانا اختبرت عفتك تلك…وسأحرق كل الغابات كقسم إن أنت تجرأت… ورحلتِ !

ان تتجاهل انك ستحتاج اليوم او غدا إلى شخص يشبهك إلى عقل يحاورك ولا يمل من تبادل الأفكار ويزاحمك على مشاعرك..يقهرك…ليشعل فيك ذاك الحب..شعلة الحياة تلك…
فاعلم…اعلم جيدا … انك ستعاني جدا…
ستهنأ للحظات أن الهدوء يعم المكان ..ستتوهم ان كل شيء على ما يرام….وبعدها بمدة سيشتعل جمر يحرق كل ما فيك…
وأخيرا ستصبح كاتبا او ستصاب بالجنون.
وكلاهما تحقق.

الليالي المظلمة
لقد ظننت أن محاولات حبي لآدم ستثمر… لكني لم أتنبه إلى ان مجرد المحاولة لا تفي…ماذا فعل هو..ليخدر على الأقل بقية احتياجاتي الجائعة ما خلا الحب…
لا شيء…
كان الطقس خريفيا ناعسا…وكنت أحب البحر…ولا زلت…
تخيلت مشهد خطوبتنا هناك على الرمال…لكنه كان مشهدا مالحا في خيالي…حفر للحزن بئرا عميقة… لم أصرخ…لم أنفجر…لكنني تكلمت…لماذا؟
قال آدم حينها… هكذا…عزيزتي…لا مجال للأسف…قضى ساعات رتيبة ومضى إلى مأواه الأخير…حيث السكينة المتعبة… لم يرسم الأمواج حتى على صفحات مخيلتي…لم يداعب شعري والنسمات البحرية…لم يهاتفني…او ربما…ولكن بأنفاس مبتذلة…عفا عليها الدهر ومات… سكين حقدي تحفر في الوديان أنهار سبات…وانا سبات طويل يجمد عمري فلا أكبر…بالقوة…لا أكبر…لأني أريد أن أقفز فوق حبال الفرح يوما… وأجدّ في الطيران أجدّ…أجدّ…فلا فارق بيني وبين عصافير الجلالي المزروعة قمحا…المروية بنبيذ الغسق…سأبقى لأسكر من كل رحيق…وأجد..أجد..وأعبر كل طريق…
أرأيت آدم…كيف سعدتُ…حين حظيت بألف صديق…وألف ألف صديق…ولم أشبع…سأحرق ورق صمتك هذا وأشعل جمر الليل بخوفك هذا…وأحتسي خمر كتابي…
ابق حيث تشاء بعيدا…على مسافة…احظ بغضبي…ومفاتن جسدي…لك تلك النيران… ولي نعمة سموها النسيان وانا وحدي لا أدري كيف تُؤتى!

غريب

-دعيني أغمرك قليلا…
إن الآس يعبق في بوحك…


-ابق على مسافة أيها البعيد…
سأنسى اسمك…ويبقى رسمك محفورا رغما عني…
هكذا تأتي كخفق جناح..بلا إنذار؟
أوهكذا يُجزع ملك الموت ضحيته قبل الإعصار؟ ابق قريبا فالبعد لم يجدِ نفعا…
جربت حتى الكيّ فصرخت من أوجاعي النار…

سمعت وندي هذا الحوار بين يمامتين كانتا تحلقان غير بعيد من النافذة ربما تكون إحداهما فرخ من ذياك العش الذي كان هنا بُعيد شهور…
أحست أن كلامهما نزع عنها قميصا آخر… قميص بدا لها من قبل ناصعا…والآن ترى فيها جسدا آخر أشد نقاوة.

معلمي

انا لا اختار معلمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *